مرت أيام عزاء والدة أماني، وكانت أماني ماكثة في غرفتها منعزلة عن الأشخاص وعن العالم بأسره، تقضي يومها بالنوم والنظر للفراغ ولا تعير أي شخص اهتمامًا عندما يحدثها.
ولكن ضاق ص*ر ياسمين من حالة أماني هذه، فحدثت صديقة والدة أماني وقالت لها أن تغادر وهي ستمكث اليوم مع أماني، ثم دخلت لغرفه أماني وجلست بهدوء تنظر لها تحاول إخراجها من تلك الحالة، ولكن أماني كانت بعالم آخر لا تستجيب، حتى ذكرت ياسمين اسمي أمامها وحثتها على القدوم إلي والبحث عني ومحاولة إعادة حبي لها. فأخبرتها أماني أنها لا تريدي بحياتها بعد اليوم، ولكن ياسمين أصرت عليها، حثتها على السعي للوصول لي وما تبقى لها بالحياة بعد والديها، حتى أخبرتها أماني أنها ستفكر في هذا الأمر.
مر أسبوعين تغير الحال مع أماني كثيرًا، أصبحت لا تجلس في البيت إلا ليلًا لتأكل ثم بعد ذلك لتنام، ويأتي الصباح ثم تذهب لعملها، وفي صباح اليوم التالي ذهبت أماني لعملها ليخبرها أحد الموظفين أن المدير يريدها بمكتبه.
ذهبت لمكتب مديرها وحينما أرادت التحدث معه برسمية منعها، فمديرها هو نفسه عبد الله ش*يقي، أنا حسام حبيبها وخطيبها السابق، سألها عن حالها ولكنها رفضت الحديث معه في أمور شخصية، ف*نهد عبد الله يعطيها بعض الأوراق لتعمل عليها، وما إن خرجت أماني من المكتب حتى اتصل عبد الله بي وأخبرني بأنها رفضت الحديث معه في أمور شخصية. ولكنني سأظل وراءها وإن لم يكن بشكل مباشر.
فبعدما خرجتُ من المشفى قبل يومين واستغرقتُ في أفكاري أدركتُ أنني لا أستطيع العيش دون وجود أماني بحياتي.
خرجت أماني من مكان عملها عائدة لبيتها، فوجدت أحدهم ينادي عليها، فنظرت بهدوء فوجدت عبد الله مبتسمًا لها، فذهبت إليها وقالت ببرود:
«هناك أمر مهم يجب أن أفعله، أستأذنك بالرحيل.»
«كنتُ أريد أن أتحدث معكِ بأمر هام بخصوص عمكِ، ولكن يبدو أنكِ مشغولة.»
«عمي؟ ما الأمر؟»
«تعالي معي بالسيارة وسنذهب لأحد المطاعم في طريقنا لنتحدث.»
أخبرها عبد الله بهدوءٍ بعدما شعر بازدياد فضولها، ولم تترد أماني للحظة واحدة وركبت السيارة ثم ذهبوا للمطعم سويًا، وجلسوا وكان ال**ت سيد هذة اللحظة حتى جاءت ياسمين صديقتها فجأة، فقامت أماني وسلمت عليها، ثم قامت أماني بهدوء لتعرفهم على بعض ولكن ياسمين قاطعتها بمعرفتها لعبد الله وسألته عن حاله. سلمت عليه وجلست بجوارهم فنظرت أماني بتساؤل لصديقتها، فابتسمت ياسمين وقالت: «كان عبد الله زميلًا لي بالثانوية، والآن تستطيعين القول خطيبي.»
نظرت لها أماني بتعجب تسألها عن ما تقوله ومتى حدث هذا، فأخبرتها ياسمين أن عبد الله يحبها منذ فترة وقد تقدم لخطبتها أثناء وفاة والدة أماني دون أن يعلم بوفاتها، ولكن ما إن علما حتى قاما بتأجيل الخطبة لوقت لاحق.
نظرت لها أماني ب**ت لدقيقتين ثم نظرت لعبد الله تسأله عن الشيء المهم الذي جعله يحضرها إلى هنا وأراد الحديث معها به، فأخبرها عبد الله أن الموضوع يخصُّ عمها واتهاماته ضدها وضدي أنا أيضًا، وهذا ما دفع أماني للتركيز بكل كلمة نطق بها عبد الله فيما بعد:
«هناك أناس نعرفهم جيدًا يقولون أن عمكِ يزوّر الأموال ويهرب الآثار للدول الأخرى، والأهم أن شركة والدكِ هي المص*ر لهذه الأعمال أماني، اتخذها عمكِ مص*رًا للتغطية، فإن كنتِ تعرفين أوراقًا خاصة فأرجوكِ أسرعي بإحضارها لي لأتصرف بهذا الأمر قبل أن ينكشف أمر الشركة وتذهبين أنتِ للسجن كونكِ المالكة لها بعد وفاة والدكِ ووالدتكِ.»
صُدمت أماني مما سمعته ثم أجابت وهي تحاول تذكر شيء: «لا أعرف، ولكن من المحتمل أن تكون هناك أوراق في البيت تخص الشركة، ولكن لمَ تسأل؟ هل ستفيد هذه الأوراق بشيء؟»
هز عبد الله رأسه بقلة حيلة من عدم إدراك أماني بخطورة الموقف، ف*نهدت ياسمين وأجابت بدلًا منه: «لقد تحدثت معي السيدة مها صديقة والدتكِ رحمها الله، أخبرتني أن هناك أدلة عند والدتكِ ولذلك كانت خائفة عليكِ، وأعتقد أنهم قرروا في مرة أن يزوجوكِ رغمًا عنكِ لشخص لا أتذكّر اسمه بالضبط، ربما محمد أو أحمد الرشيدي، وحينها قررت والدتكِ أن تجعلكِ تسافرين وتستقرين في محافظة أخرى، هذا غير مضايقة عمكِ وأعوانه لوالدتكِ باستمرار وأبرز أعمال عمكِ الشنيعة هي تسببه بمقتل والدكِ أماني.»
عندما سمعت أماني هذه الكلمات نظرت لياسمين بصدمة ثم قالت بكلمات متقطعة: «تسببهم بمقتل والدي؟ ماذا فعلوا بالضبط؟ لقد مات والدي في العناية!»
أجاب عبد الله قائلًا بحزن: «تستطيعين سؤال السيدة مها صديقة والدتكِ، هي من أخبرتنا بكل هذه الأمور، وبالتأكيد ستكون عندها الإجابات لجميع أسئلتكِ.»
بعد ان حاولت أماني استيعاب ما قاله عبد الله وياسمين قالت بجدية: «هل أنتم مستوعبين ما تقولونه؟ هذا بالتأكيد مزاح.»
«ولمَ سنمزح؟ للأسف كل ما قالته صديقة والدتكِ متأكدة منها ولكن ينقصها الدليل، وتستطيعين معرفة البقية منها.»
ردت ياسمين هذه المرة وأمسكت يد أماني بحزن تؤازرها على مصابها، فنهضت أماني بسرعة تطلب من ياسمين مفتاح سيارتها لتذهب بها لبيت السيدة مها صديقة والدتها، ثم أعطت ياسمين مفتاح سيارتها وأخبرتها أنها أمام شركة عبد الله يمكن لعبد الله أن يأخذها لهناك، تبادلا السيارات وأصبحت أماني في طريقها لمنزل السيدة مها.
بينما كنتُ أنا قد وصلتُ لمنزل السيدة مها بالفعل، طرقتُ الباب وانتظرتُ بالخارج لدقيقة، ففتحت لي السيدة مها ونظرت لي بهدوء تسألني عن هويتي، فأخبرتُها أنني حسام عبد الحميد، فنظرت لي بتفاجؤ قبل أن تبتسم وكأنها تذكرتني تدعوني للداخل بكل ترحيب.
أخذتني لغرفة الاستقبال الواسعة بهذه الشقة التي تعيش بها مع زوجها وابنيها، ثم سألتني عما سأشربه ولكنني جلستُ طالبًا منها أن تعطيني رقم عم أماني، وهو نفسه خالي، فأماني ابنة خالي هي الأخرى، ولم تكد السيدة أماني تجيبني حتى سمعت صوت رنين جرس منزلها، فاستأذنتني لتفتح للطارق.
وما إن فتحت الباب حتى وجدت أماني أمامها قد وصلت تسألها الدخول، فدعتها السيدة مها للدخول بترحيب شديد بعدما عانقتها، ثم طلبت منها أن تنتظر حتى تعود لي وتنهي حديثها معي وبعدها تذهب لأماني تكمل استضافتها، ولكن السيدة مها لم تخبر أماني أنني ضيفها بالداخل، ومن الداخل كنتُ جالسًا أستمع لصوت أماني وهي تسأل السيدة مها بلهفة:
«لن أنتظر حتى تنتهي مع ضيفكِ ولن أهدأ، سؤال واحد لدي وسأسأله وأرحل بعدها ولا أريد شيئًا غيره، ماذا فعل عمي لوالدي ووالدتي بالضبط؟»
حاولت السيدة مها جعل أماني تخفض صوتها احترامًا لوجودي كضيف بالداخل، فاعتذرت منها أماني واستدارت تتجه للمطبخ قائلةً أنها ستذهب لشرب الماء وتنتظرها، حينها عادت السيدة مها لي وهي تحاول عودة الابتسامة لوجهها وجلست تسألني عن طلبي مجددًا.
فابتسمتُ لها بهدوء أخبرها أنني أريد عنوان خالي الجديد، فأنا قد مر على غيابي عن العائلة ست سنوات كنتُ أقضي معظمها بالمصحة أتلقى الأدوية بعدما ص*رت براءتي من حادث والديّ الذي اتهمني خالي بقتلهما به وكان سببًا في القبض عليّ وتعرضي للسجن لأسبوع والمحاكم من بعدها حتى ظهرت براءتي.
إلا أنني سمعتُ صوت زجاج ين**ر بالخارج، وكانت أماني قد جاءت عند باب الغرفة تحمل كأس ماء وعندما رأتني وسمعت ما قلتُه وقع الكأس من يدها من**رًا، ولكنها أسرعت تبعد عينيها عني وتذهب للمطبخ محضرة المكنسة لتنظف الزجاج الم**ور وسط نظرات السيدة مها المحتارة في كل ما يحدث.
وبعدما رحلت أماني للمطبخ عادت السيدة مها تنظر لي وتسألني من جديد عن سبب رغبتي في معرفة عنوان خالي الجديد، فأخبرتُها بتلقائية أنني لديّ حساب مع خالي وأريد تصفيته.
حينها تدخلت أماني فجأة تسير نحوي بغضب بعدما دخلت الغرفة ويبدو أنها سمعت جملتي الأخيرة تقول بغضب: «لن يقترب أحد من عمي حتى وإن كان أنت، هل تسمعني حسام؟»
«ليس لكِ شأن بهذه الأمور أماني، هذا شيء بيني وبين خالي ويجب أن ينتهي.»
رددتُها ببرود فنظرت لي بغضب تقول بعصبية: «أولًا تحدث معي بأسلوب أفضل من هذا، ثانيًا أنا لا أقول هذا حبًا بعمي، أنا أقول هذا لأن لديّ حساب معه، ومن فضلك اخرج من هنا لن تحصل على عنوانه.»
وقبل أن أتحدث بعدما شعرتُ بالغضب من طريقة حديث أماني تدخلت السيدة مها سريعًا تقف بيننا، حاولت تهدئتنا وأجبرتنا على الجلوس بعدما قالت أن لديها ما تقوله لأماني وقد أجّلته طويلًا، وقالت أن ما لديها قد يهمني أيضّا، حينها نظرنا لها بتركيز لنسمع ما حدث، فبدأت السيدة مها بسرد ما حدث لتصدمنا بكل حرف قالته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .